الخميس، 19 مارس 2009

بالصور :على أطلال بيتها تنعى بئر الماء وتستذكر الشهداء
















للذاكرة أدون..
على أطلال بيتها تنعى بئر الماء وتستذكر الشهداء
أم حاتم عبد ربه عجوز من زمن الحروب !

قارورة أمل - غزة - ساقني القدر إلى هناك لم أكن أعلم أن قدمي ستخطو في تلك البقعة التي طالما سمعت عنها عبر الراديو أثناء الحرب فقد نالت النصيب الأكبر من الدمار والتشريد "عزبة عبد ربه " في شمال قطاع غزة أكوام حجارة وبقايا منازل وكأني أراها لافتة ترحيب "أهلاً بكم في عزبة عبد ربه " أو ربما تكون علامة لتعرف أنك فعلاً وصلت العزبة فلا حاجة بعد اليوم لمن يرشدك الطريق .. فأكوام المنازل خير دليل على تلك البقعة المنكوبة!

تلفت حولي فوجدت أن عائلةً لازالت تقيم فوق بقايا منزلها المهدم تساءلت في نفسي ألا يخافون أن يقع عليهم ذلك السقف الذي أصبح معلقاً في الهواء لكنني شعرت أنهم أعمدة راسخة تستطيع أن تثبت سقف المنزل وأخبرني السقف أنه لن يقع عليهم إكباراً لصمودهم .. فمضيت مطمئنة .
تنقلت بين الخيام .. إنهم يبتسمون يشربون الشاي ويتسامرون لكنك تجد الألم يسكن عيونهم ولا يفارق ملامحهم!
كانت ساجدةً تصلي أنهت صلاتها وبادرتني بالسؤال من أنت؟ قلت لها بأني صحفية فسارعت لتروي لي ما حدث لهم أثناء الحرب وحينها لم أكن قد جهزت قلمي أو آلة التسجيل فاستأذنتها لطفاً أن تنتظر قليلاً حتى أسجل ما تقوله حينها ابتسمت لي ابتسامة رضا فقد وجدت من يسمع معاناتها .. وينصت لها .. كم هي بريئة تلك العجوز التي حفرت السنين على وجهها مختصر الحكاية التي روتها لي تحدثت معي بجرأة فتارةً شعرتها محللة سياسية وتارةً أخرى رأيت فيها نموذج المعاناة وفي كثير من المرات علمتني معنى الأمل !

" باعونا من الـ48 وقبضوا حق فلسطين زي مهر العروس " كلمات عفوية تخرج من عجوز مكلومة تعبر عن حقيقة الواقع السياسي العربي وتختصر قصة التخاذل بمهر العروس التي قتل عريسها قبل الفرح بأيام في عزبة عبد ربه ..تتداخل المعاني نعم لكن الحر تكفيه الإشارة!
أم حاتم نظرت إلي وقالت لي :" يوم السبت ما شفنا إلا الخبط بنزل علينا .. " عددت لي أنواع الطائرات والقذائف والصواريخ التي كانت تقذفها قوات الاحتلال فوقهم من كل الجهات وأضافت ..:" أنا حضرت أربع حروب .. حرب الـ48 ولا الـ67 ولا الـ 56 بس ولا عمري شفت مثل هالحرب "

وأوضحت أن هدفهم "بلاد من غير عباد " .. ثم بدأت تخبرني بالمآسي التي عاينتها فقصت علي كيف هدم بيتهم .. ذكرت بأن ثلاثة شبان دخلوا منزلهم ليتحاموا به من القصف فطلب منهم جيش الاحتلال أن يخرجوا جميعاً عدا الشبان الثلاثة وهدمت البيت فوق رؤوسهم !
تنهدت وتذكرت قريبتها التي كانت تقف بالمطبخ وأطفالها ينتظرون شطائر الخبز ركضت الأم نحو المطبخ لتلبي مطالب صغارها الجائعين وقفت نحو الثلاجة وأحضرت المربى وبدأت بإعداد الشطائر لكن صاروخاً إسرائيلياً لم يمهلها أن تطعم صغارها الجائعين فأرداها شهيدة ولازال الصغار ينتظرون الشطائر حتى اللحظة !

أم حاتم فقد من قالت عنه الأمثال أنه أغلى من ولدها .. حفيدها الذي كانت تستعد ليوم فرحه فزف إلى الحور العين وكان المهر الدماء ..
توقفت الحاجة قليلاً عن الكلام شعرت أنها انتهت لكنها روت لي عن ثلاث طفلات ذهبن إلى الدكان في العزبة فاستشهدت اثنتين منهن والأخرى أصيبت بشلل وهي تعالج الآن في بلجيكا !
وتابعت عن بئر الماء الذي هدم ..:" إيش ذنبه بير المي ؟ الطيور بتشرب منه الأولاد وهم مروحين من المدارس بشربوا منه ، صرنا نشتري المي لانه المي الموجودة ملوثة والأرض ملوثة ".

"لحوم بني آدمين .. الأرض كلها امتلأت لحوم بني آدمين " هذه الجملة التي تلت ما قالته عن بئر الماء لكنها أكدت لي أنهم صامدون ولن يتنازلوا وقالت بكل كبرياء فلسطينيتها أنها سترفع قضيةً على إسرائيل وستقدم الأوراق التي تثبت أن بيتها دمر ظلماً وعدواناً لتأخذ حقها ممن ظلمها ..
عادت أم حاتم وأسرتها وجميع من يسكن بالعزبة بعد خروج اليهود من قطاع غزة ليفترشوا الأرض ويلتحفوا السماء ويسطروا بمداد الألم أروع معاني الصمود في حياة إنسان صغرت أمامه مصائب الدنيا وكبر أمامه الوطن!















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق